سيد محمد طنطاوي

359

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

عليهم بما يبطل قولهم فقال : * ( قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ ، فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) * . أي : قل لهم يا محمد * ( قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي ) * كثير عددهم « بالبينات » أي بالحجج الواضحة ، وبالمعجزات الساطعة الدالة على صدقهم * ( وبِالَّذِي قُلْتُمْ ) * أي وجاءكم هؤلاء الرسل بالقربان الذي تأكله النار * ( فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ ) * بعد أن جاؤكم بتلك المعجزات الباهرة * ( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) * في دعواكم أنكم تتبعون الحق ، وتطيعون الرسل متى أتوكم بما يشهد بصدقهم ؟ . فالجملة الكريمة ترد على هؤلاء اليهود بأبلغ الوجوه التي تثبت كذبهم فيما يدعون ، لأن قتلهم للأنبياء بعد أن جاؤهم بالمعجزات الواضحة الدالة على صدقهم ، دليل على أن هؤلاء اليهود قد بلغوا منتهى الجحود والظلم والعدوان ، وأن دعواهم أن إيمانهم بمحمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم متوقف على مجيئه بالقربان الذي تأكله النار دعوى كاذبة ، لأن من جاءهم بالقربان كان جزاؤه القتل منهم . . . قال الفخر الرازي : وقد بين اللَّه بهذه الدلائل أنهم يطلبون هذه المعجزة لا على سبيل الاسترشاد وإنما على سبيل التعنت . وذلك لأن أسلافهم طلبوا هذه المعجزة من الأنبياء المتقدمين مثل : زكريا ويحيى وعيسى ، فلما أظهروا لهم هذا المعجزة سعوا في قتلهم بعد أن قابلوهم بالتكذيب والمخالفة والمعاندة . وذلك يدل على أن مطالبهم كانت على سبيل التعنت إذ لو لم يكن الأمر كذلك لما سعوا في قتلهم ، ومتأخرو اليهود راضون بفعل متقدميهم . وهذا يقتضى كونهم متعنتين - أيضا - في مطالبهم . ولهذا لم يجبهم اللَّه فيها » « 1 » . * ( فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ . جاؤُ بِالْبَيِّناتِ والزُّبُرِ والْكِتابِ الْمُنِيرِ ) * . والبينات : جمع بينة وهي الآيات المبينة للحق ، والأدلة التي يستشهد بها الرسول على أنه صادق فيما يبلغه عن ربه . والزبر جمع زبور - كالرسول والرسل - وهو الكتاب المقصور على الحكم من زبرته بمعنى حسنته . وخص الزبور بالكتاب الذي أنزله اللَّه على داود - عليه السّلام - : قال - تعالى - وآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً . وقيل : الزبر اسم للمواعظ والزواجر من زبرته إذا زجرته .

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 122 .